رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يؤكد أن التَّرَفَ داءٌ من أدواءِ النفوس، وسُمٌّ في جسد المجتمعات

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يؤكد أن التَّرَفَ داءٌ من أدواءِ النفوس، وسُمٌّ في جسد المجتمعات،
بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
مما لاشك فيه أن الترف ليس مجرد سعة في العيش، بل هو حالة من البَطَر والإسراف والانغماس المُفرط في الشهوات والماديات، تُنسي العبدَ واجباته وتُبعده عن مقاصد الشريعة في إصلاح الفرد والمجتمع.
إنّ التَّرَفَ داءٌ من أدواءِ النفوس، وسُمٌّ في جسد المجتمعات، وما وقعَ في أمّةٍ إلا أفسدها، ولا فَشَا في قومٍ إلا أذلّهم، حتّى صار من أعظم أسباب الانهيار الحضاري التي ذكرها القرآن الكريم وبَيَّنَتْها السنّة المطهّرة.
وسنسعى في هذه المحاضرة إلى تفكيك مفهوم الترف، وإجلاء آثاره المدمرة، وتأصيل ذمه من النصوص الشرعية المُحكمة.
في بحث جامع لمعاني ذمِّ الترف، بين بيانٍ قرآنيٍّ مُهيمِن للترف، وتشريعٍ نبويٍّ راسخ، وتحليلٍ أدبيٍّ وفقهيٍّ يوضِّح آثارَه وأضراره.
⚫ أولًا: تعريفُ التَّرَف وحقيقته
● ١- الترف لغةً:
هو التنعمُ والإفراط في النعمة، والتوسعةُ في العيش،والمبالغة في طلب اللذات والملاذِّ، من غير حاجة ولا ضرورة.
• يقال: تَرِفَ الرجلُ، أي تنعَّم .
• والمترف: هو المتنعم المتوسع في ملاذ الدنيا وشهواتها،
وقد قال العلماء عند تفسير قوله تعالى: ﴿مُتْرَفُوهَا﴾:
أي: أهلُ التنعم والسَّعة والرفاهية.
● ٢- الترف اصطلاحًا:
هو انغماسُ الإنسان في متاع الدنيا واسترسالُه في الشهوات حتى يخرُج عن حدّ الاعتدال، ويعتاد الزيادة في غير حاجة، ويستثقل معيشة البساطة، ويستنكِف من حياة الزهد والكفاية.
فالترف هو التجاوز المُفرط لحدود الاعتدال في استعمال نعم الله، والانشغال بالكماليات المُلهية عن الطاعات والواجبات، والغرور المُصاحب لغنى النفس، والبطر الذي يؤدي إلى الظلم والفساد والإفساد في الأرض.
● ٣- الفرق بين الرزق الحلال والترف المذموم:
– هناك فرق جوهري دقيق بين أن يُغدق الله على عبده من فضله ورزقه في حدود الشكر والاعتدال، وبين الترف المذموم الذي يودي بصاحبه.
• الرزق الحلال والنعيم المشروع:
– هو ما يتحقق فيه شكر النعمة، وأداء حق الله والعباد فيها، واستعمالها في طاعة الله والانتفاع المشروع بها دون إسراف أو تبذير. وهو أمر مُرغَّب فيه بشرط الاعتدال، فـ ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِىٓ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِۦ وَٱلطَّيِّبَٰتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ ۚ﴾ (الأعراف: 32).
• الترف المذموم:
– هو النعيم المُقترن بـ البَطَر والاستكبار والتبذير، والتلهّي المُفضي إلى نسيان الآخرة ومصالح الأمة.
فالشريعة لم تحرِّم الغنى، بل حرَّمت ما يترتب عليه من سوء خلق وسوء تدبير.
⚫ ثانيًا : مظاهر الترف في وقتنا الحاضر:
– من مظاهر هذا الترف في وقتنا الحاضر: الإغراق في الكماليات بشكل عجيب، فعلى سبيل المثال:
• بعض الأسر تغير أثاث المنزل بشكل سنوي حتى لو كان بحالة جيدة، وتدفع في ذلك المبالغ الطائلة.
• قيام بعض الأسر بشراء المأكولات والمشروبات بشكل يومي من المطاعم الغالية الثمن من غير حاجة إلى ذلك.
• أن بعض النساء تقوم بتغيير ملابسها بشكل مستمر في كل مناسبة أو عرس، حتى لو كان هذا الثوب لم يستعمل إلا مرة واحدة، وتدفع في ذلك المبالغ الطائلة.
• سفر بعض الناس للسياحة سنويًا، ويدفعون في ذلك المبالغ الطائلة حتى لو كانت هذه المبالغ بالدين، وغير ذلك من مظاهر الترف.
إن الترف -يا عباد الله- دركات بعضها أسوأ من بعض ،وقد حذر الله من ذلك في قوله: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) [الحديد:20].
وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- كما في الصحيحين محذّرًا: “فوالله ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى عليكم أن تُبسَط الدنيا عليكم كما بُسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم”.
ومن هذا النوع التوسع في المآكل والمشارب والتفنن في إعداد الطعام، وكثرة الحديث عنه والتفاخر به، والله تعالى لم يحرّم علينا ذلك لكن كرهه لنا وحثّنا عن التنزه عن جميع ذلك والتعلق بنعيم لا يزول قال سبحانه: (وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ).
والنبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه كانوا يعيشون على كفاف العيش.
ومن كلام الحكماء:
كل العيش قد جربناه *** فوجدناه يكفي منه أدناه
– والشبع وملء البطن دائمًا يكسل عن العبادة، ويسبب عدم القدرة على صيام التطوع ويضعف الورع، ويقسي القلب، ويجلب كثرة النوم، وهو من الترف المضيّع للأوقات المنقّص للدرجات، قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: “من أخذ الدنيا من وجوهها المباحة وأدى واجباتها وأمسك لنفسه الزائد على الواجب يتوسع به في التمتع بشهوات الدنيا فلا عقاب عليه إلا أنه ينقص من درجته في الآخرة بقدر توسعه في الدنيا”.
قال عمر -رضي الله عنه-: “لولا أن تنقص حسناتي لخالطتكم في لين عيشكم، ولكني سمعت الله عير قوم فقال: (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا)”.
⚫ ثالثًا : الترف في ضوء القرآن الكريم .
– لقد ورد ذمّ الترف في القرآن في مواضع كثيرة، وبأساليب شديدة، تدلّ على خطورته، وأنه من أعظم أسباب الهلاك.
● ١- الترف سبب للهلاك العام.
قال تعالى:
﴿وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرۡیَةࣰ أَمَرۡنَا مُتۡرَفِیهَا فَفَسَقُوا۟ فِیهَا فَحَقَّ عَلَیۡهَا ٱلۡقَوۡلُ فَدَمَّرۡنَـٰهَا تَدۡمِیرࣰا﴾
(سورة الإسراء، الآية 16)
إن سُنة الله -عز وجل- أنه إذا قدّر لقرية هلاكا فإنها تأخذ بأسباب الهلاك فيعم الفسق والشر فتحق عليهم السنة الإلهية وينزل بهم الدمار بما كسبت أيديهم ويصيبهم العذاب؛ لأن الأمة حينئذ رضيت فلم تأخذ على أيدي المترفين بل تركتهم يمارسون شهواتهم المردية وأهوائهم المضلة فنشروا الفسق فأدى هذا الفسق إلى الدمار والبوار.
وهذه الآية من أعظم ما يُبيّن أنّ المترَفين هم مفاتيح الخراب، فهم الذين يُفسدون حين يُعطَون، ولا يشكرون حين يُنعَم عليهم، فيعمُّ العذابُ الجميع.
والمعنى أن الله تعالى أمر هؤلاء المترفين بطاعته فلم يمتثلوا أمره، بل فسقوا وأفسدوا، فحق عليهم العذاب والدمار، وقد أخبر عز وجل عن حال هؤلاء المترفين، وأنهم أتتهم آيات الله ونذره فأعرضوا عنها واستكبروا عليها، فأخذهم العذاب، قال تعالى: {حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ * لاَ تَجْأَرُوا اليَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لاَ تُنْصَرُونَ * قَدْ كَانَتْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ * مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ} [المؤمنون: 64 – 67].
● ٢- المترفون أعداء الرسل
– قال الله تعالى:
﴿وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَا فِی قَرۡیَةࣲ مِّن نَّذِیرٍ إِلَّا قَالَ مُتۡرَفُوهَاۤ إِنَّا بِمَاۤ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ كَـٰفِرُونَ﴾
(سورة سبأ، الآية 34)
المترفون هم أول مَن يرفض دعوة الحقّ؛ لأن الدعوة تُقيِّد شهواتهم وتضبط سلوكهم، فهم لا يريدون دينًا يُصلِحهم بل دنيا تُغرقهم.
● ٣- ذمُّ الاستكبار الناتج عن الترف
قال تعالى:
﴿وَقَالَ ٱلۡمَلَأُ مِن قَوۡمِهِ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِلِقَاۤءِ ٱلۡـَٔاخِرَةِ وَأَتۡرَفۡنَـٰهُمۡ فِی ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا مَا هَـٰذَاۤ إِلَّا بَشَرࣱ مِّثۡلُكُمۡ یَأۡكُلُ مِمَّا تَأۡكُلُونَ مِنۡهُ وَیَشۡرَبُ مِمَّا تَشۡرَبُونَ﴾ (سورة المؤمنون، الآية 33)
فالترف يجعل صاحبه متعاليًا مستكبرًا، يرى نفسه فوق الناس، لا يقبل نصحًا، ولا يرى لغيره فضلًا.
● ٤- الترف سبب للعقوبة الدنيوية والأخروية
قال الله تعالى:
﴿حَتَّىٰۤ إِذَاۤ أَخَذۡنَا مُتۡرَفِیهِم بِٱلۡعَذَابِ إِذَا هُمۡ یَجۡـَٔرُونَ﴾
(سورة المؤمنون، الآية 64)
والمعنى: أنّ العذاب حين يأتي، يكون أول من يصرخ ويستغيث المترفون؛ لأنهم أضعف الناس صبرًا على الشدة، كما كانوا أضعف الناس شُكرًا في النعمة.
● ٥ – الترف من صفات الكفار :
وقد أخبر عز وجل أن الترف من صفات الكفار، قال تعالى: {وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ * فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لاَ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ * إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ} [الواقعة: 41 – 45] أي منعمين مقبلين على الشهوات والملذات.
⚫ رابعًا : الترف في السنّة النبوية .
● ١- تحريم الإسراف والنهي عن المبالغة في النعمة
عن عبد الله بن عمرو
قال رسول الله ﷺ:
«كُلُوا وَاشْرَبُوا وَالْبَسُوا فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا مَخِيلَةٍ»
أخرجه النسائي (2559) واللفظ له، وابن ماجه (3605)، وأحمد (6708) باختلاف يسير.
هذا الحديث أصل في منع الترف؛ لأن الترف يجمع:
• الإسراف
• الكِبر
• المبالغة في غير حاجة
● ٢- عن معاذ بن جبلقال
أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لمَّا بعَث به إلى اليمنِ قال له إيَّاك والتَّنَعُّمَ فإنَّ عبادَ اللهِ ليسوا بالمُتَنَعِّمينَ
رجاله ثقات: أخرجه أحمد (22105)، وأبو نعيم الأصبهاني في ((حلية الأولياء)) (5/ 155)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (5766) جميعهم بلفظه.
فالتنعُّم المفرط يُورث خمولاً وكسلاً، ويُضعِفُ قدرة النفس على حمل التكاليف العظيمة، ويُنافي صفة “عِبَادَ اللهِ” الحقيقية التي هي الطاعة والجد والاجتهاد.
● ٣ – وصف الدنيا بأنها مَتَاعٌ قليل
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال ﷺ:
«الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ»
أخرجه مسلم (2956).
المؤمن لا يطلب الترف؛ لأنه يعلم أن نعيمه الحقيقي هناك، أمّا هنا فهي دار اختبار.
● ٤- تحذير النبي من الترف
عن عمرو بن عوف المزني
قال ﷺ: «فواللَّهِ ما الفَقرَ أخشى عليكُم ولكِنْ أخشى عليكُم أن تُبسَطَ الدُّنيا عليكم ، كما بُسِطَت علَى من قبلَكُم فتَنافَسوها كما تَنافَسوها فتُهْلِكَكم كما أهْلَكَتهم.»
صحيح : أخرجه الترمذي (2462) واللفظ له ، والبخاري (3791) ، وابن ماجه (3997) ، والطبراني (17/ 25 ) (39) ، والطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (2028) جميعهم بنحوه .
وهذا من أبلغ التحذيرات النبوية من الترف وآثاره.
ولذا جاء في الحديث
عن أبي أمامة الباهلي قال صلى الله عليه وسلم :
سيكونُ رجالٌ مِنْ أمتي يأكلونَ ألوانَ الطعامِ ، ويشربونَ ألوانَ الشرابِ ، ويلبَسونَ ألوانَ الثيابِ ، ويتشدقونَ في الكلامِ ، فأولئكَ شرارُ أُمَّتِي
صحيح : أخرجه الطبراني (8/127) (7512)، وتمام في ((الفوائد)) (1683)، وأبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (6/90)صحيح الجامع
رقم: 3663 )
⚫ خامسًا : الأسباب التي تدعو إلى الترف
● ١- ضعف الإيمان بالقضاء والقدر .
• فالإنسان الذي لا يعرف حقيقة الدنيا يتعلّق بزينتها، ويبني عليها آماله، فيسرف ويتنعم ويغلو.
● ٢- قسوة القلب
• كلما قسا القلبُ اشتدّ طلبُه للشهوات.
● ٣- التقليد الأعمى والتشبّه بالغرب .
• فالانبهار بالثقافات المترفة يجعل الناس يستوردون أنماط العيش بلا وعي.
● ٤- كثرة المال بلا شكر
• نعمة المال إن لم تُضبط بالشكر تحولت إلى نقمة.
⚫ سادسًا : الآثار المدمّرة للترف على الفرد .
● ١- ضعفُ الروح وضياع الصلة بالله .
• المترف قليل الخشوع، ثقيل الطاعة، مستثقِل للبساطة، مشغول بزينة الدنيا.
● ٢- الرهبة من الفقر وخوف فقد النعمة
• المُترَف يعيش قلقًا دائمًا، يخاف أن يُسلب ما اعتاد عليه.
● ٣- فساد الأخلاق وانتشار الكبر
• لأن الترف يولّد الاستعلاء على الخلق.
● ٤- فقدان الإرادة والعجز عن التحمّل
• المترف ضعيف عند الشدائد.
● ٥ – الأمراض الجسدية: الأمراض الكثيرة في وقتنا الحاضر، كمرض السمنة، وأمراض القلب، والجلطات، وغيرها سببها الترف.
● ٦- الكسل وتسلط الأعداء:
– الترف يؤدي إلى الكسل، والراحة، والتعلق بالدنيا، مما يسهل على الأعداء التسلط على الأمة، وإفساد عقيدتها، ونهب خيراتها، وثرواتها، وأمة الإسلام ينبغي أن تكون أمة مجاهدة قوية تعد نفسها للدعوة إلى الله ونشر هذا الدين في مشارق الأرض ومغاربها، وإخراج الناس من ظلمات الشرك إلى أنوار التوحيد، ولا يكون هذا إلا بالعمل الجاد، وليس بالترفه والراحة، قال تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالمُؤْمِنُونَ} [التوبة: 105].
⚫ سابعًا : الآثار الكارثية للترف على المجتمع
● ١- اتساع الفجوة بين الطبقات
• فإذا ترف أهل الغِنى، ازداد الفقراء حقدًا واحتقارًا.
● ٢- انتشار الظلم الاقتصادي
• ارتفاع الأسعار، المظاهر الكاذبة، الفساد المالي.
● ٣- انهيار قيم القناعة والزهد
• فالمجتمع المترف يهلك لأنه يبني قدره على الشهوات لا على الأخلاق.
● ٤ – الهلاك الحضاري
• وهو ما يقرره القرآن بوضوح:
أن الترف علامة على قرب النهاية.
● ٥ – ضياع ثروات الأمة: – الترف يؤدي إلى ضياع ثروات الأمة، ومقدراتها، فيما لا فائدة فيه، والأمة بأمس الحاجة إلى استغلال هذه الثروات، في بناء قوتها الاقتصادية، والعسكرية لتأخذ مكانتها بين الأمم، قال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال: 60].
● ٦- ضعف الأمة وحاجتها للآخرين:
– إن الترف يؤدي إلى ضعف الأمة، وحاجتها إلى مساعدة الآخرين، وعدم اعتمادها على شبابها ومقدراتها، وهذا يؤدي بدوره إلى تسلط الأعداء عليها، ونهب خيراتها، وإفساد دينها، وغير ذلك من المفاسد.
وهذا كله فيما إذا كان الترف مقتصرًا على التوسع والانبساط في المباح، فأما إذا تجاوز ذلك إلى الشهوات المحرمة فإن الأمر يكون قد وصل إلى مرحلة الخطر، ومنذر بالهلاك والدمار، كما مر في الآيات السابقة.
⚫ ثامنًا : الترف في التاريخ والواقع
● ١- ترف قوم عاد
• كانوا ذوي حضارة وقوة، عظيمة هائلة ​لكنهم لما انغمسوا في الترف وبطروا النعمة، أهلكهم الله تعالى جزاءً لبطرهم.
● ٢- ترف قوم ثمود:
– ​ثمود هم عرب سكنوا منطقة الحِجر (مدائن صالح حاليًا) بين وادي القرى والشام، ولا تزال آثار مساكنهم قائمة تُعرف بـ (مدائن صالح).
​كانوا يعيشون في بيوت أتقنوا نحتها في الجبال براعةً وبطرًا، لا لحاجة أساسية. انما لبراعة هندسية طغى عليها الترف
​ذكّرهم نبيهم صالح عليه السلام بنعم الله وحذّرهم من الطغيان بالترف، فقال لهم -كما في سورة الشعراء-:
​{أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آَمِنِينَ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ * وَتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ}
​وعظهم النبي صالح بـ نعم الله الظاهرة: الأمن، والجنات، وعيون الماء، والزروع، والنخيل الذي ثمره ناضج وطري (هضيم).فقوله {وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ}
، أي إذا نضج ولان ورطب واسترخى،
– ​وبراعتهم في نحت البيوت الجبلية كانت دليلًا على التنعّم والترف لا الضرورة.
⚖️ العاقبة:
​عندما غلب عليهم الترف وبطروا النعمة وكذبوا رسولهم، كانت عاقبتهم:
​{فَأَخَذَهُمُ العَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الشعراء: 146- 159].
​فكان هلاكهم في الدنيا وسوء مصيرهم في الآخرة نتيجةً مباشرة لإِشْرَابهم الترف وبطرهم النعمة
• وهذه الآثار لا تزال قائمة تشهد على براعتهم وعلى ما كانوا فيه من تنعُّم وترف.
انظر : تفسير ابن كثير (10/ 362 – 363)
والشاهد من القصّة أنهم لما أُشرِبوا الترف وبطروا النعمة، كذّبوا رسولهم، فكانت عاقبتهم الهلاك في الدنيا، وسوء المصير في الآخرة.
● ٣ – ترف قوم لوط حين قال لهم نليى الله لوط(وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ)، فهم يقيمون المنتديات المحرمة في بيوتهم وفي غيرها مع ارتكاب المعاصي جهارا، والإسراف في تناول اللذات وتضييع الحقوق والواجبات، فيا بؤسًا لأهل الترف حينما يقال لهم: (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ).
● ٤ – ترف فارس والروم
• وكان من أهم أسباب سقوط إمبراطورياتهم.
قال الله جل وعز: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ) [القصص:58].
قال القرطبي: “البطر هنا هو الطغيان بالنعمة”، وقيل: “سوء احتمال الغنى بألا يحفظ حق الله فيه”.
وجميعه يرجع إلى الترف الذي هو التوسع في كل شيء، حتى يدخل العبد في الدوائر الممنوعة شرعًا.
● ٥ – ترف الأندلس
• حين غرق الناس في الشهوات وتنافس القصور.
● ٦ – ترف قارون
حينما وجّه له أهل الإيمان النصح فقالوا: (لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) [القصص: 76- 77]، بادر قائلاً: (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي)، فكانت النتيجة (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ).
● ٧ – ترف فرعون .
قال تعالى عن فرعون: (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ * فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاء مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ * فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ * فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ * فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ) [الزخرف: 51- 56].
⚫ تاسعًا : المنهج الشرعي في مواجهة الترف وطرق علاجه.
– المنهج الإسلامي لم يذم الغنى المطلق، بل ذمَّ الترف المُفسد، وقدم حلولاً عملية للوقاية والعلاج.
● ١- القناعة:
تزكية القلب بالقناعة
– القناعة : هي الرضا بما قسمه الله مع العمل والسعي.
والقناعة كنز لا يفنى، وهي المضاد الأقوى لداء الترف.
عن عبدالله بن عمرو
قال النبي صلى الله عليه وسلم: “قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ.”
خرجه الإمام مسلم في “صحيحه” (1054)
وقال ﷺ:
«ارْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ»
أخرجه الترمذي (2305) واللفظ له، وابن ماجه (4217) مختصراً، وأحمد (8095) باختلاف يسير. من حديث أبي هريرة
● ٢- ممارسة الزهد المشروع المعتدل
• ليس الزهد ترك الدنيا، بل عدم التعلّق بها.
• الزهد: ليس تحريماً للطيبات، بل هو تعلُّقُ القلب بالآخرة بدلاً من الدنيا، وأن تكون النعمة في اليد لا في القلب
● ٣- ضبط الاستهلاك
• المسلم يشتري حاجته، ولا يبالغ.
● ٤- تربية الأولاد على البساطة والوسطية والاعتدال:
• حتى لا ينشؤوا مترفين.
والإسلام دين الوسطية، ويُرشدنا إلى منهج متوازن لا إفراط فيه ولا تفريط، في كل شأن من شؤون الحياة، من المأكل والمشرب والملبس إلى التخطيط الاقتصادي العام.
● ٥ – الصدقة والإنفاق لإطفاء حرارة الترف
• فإن الصدقة تطهّر النفس من التعلُّق بالدنيا.
والإنفاق في سبيل الله: هو التطبيق العملي للحد من الترف، فبدلاً من صب الأموال في كماليات لا حاجة لها، تُوجَّه إلى مصارف الزكاة والصدقات والوقف التي تُقوِّمُ ظهر الأمة.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِيٓ أَمۡوَٰلِهِمۡ حَقّٞ مَّعۡلُومٞ ۝٢٤ لِّلسَّآئِلِ وَٱلۡمَحۡرُومِ ۝٢٥﴾
[سورةُ ٱلمَعَارِج: ٢٤–٢٥]
● ٦- معرفه أن المترفين سينسون نعيم الدنيا يوم القيامة:
ولقد أخبر النبي – صلى الله عليه وسلم – أن المترفين في الدنيا ينسون ما كانوا فيه من النعيم في الآخرة، روى مسلم في صحيحه من حديث أنس بن مالك – رضي الله عنه -: أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً، ثُمَّ يُقَالُ: يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لاَ وَاللهِ يَا رَبِّ! وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الْجَنَّةِ، فَيُقَالُ: يَا ابْنَ آدَمَ، هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لاَ وَاللهِ يَا رَبِّ مَا مَرَّ بِي بُؤُسٌ قَطُّ، وَلاَ رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ»
رواه مسلم رقم (2807).
– إن الترف داء عضال ومرض قتّال إن استشرى في أمة ذهب بعزمها وأورثها كسلاً وخمولاً وركونًا إلى الدنيا ومحبة لها وحرصًا عليها، فلا يرتجى من أفرادها نفعًا، ولا يُنتظر منهم دفاعًا عن حق، والتاريخ يشهد بهذا.
⚫ عاشرا : نماذج من زهد السلف الصالح .
● ١- زهد النبي ﷺ
• بيته من طين
• فراشه من ليف
• مات ودرعه مرهونة
وهو سيد الخلق.
ولقد كان نبينا محمد – صلى الله عليه وسلم – من أبعد الناس عن الترف، روى البخاري ومسلم من حديث عمر – رضي الله عنه -: أنه أتى النبي – صلى الله عليه وسلم -، فرآه على رمال حصير قد أثر بجنبه، فابتدرت عيناه بالبكاء، وقال: يا رسول الله هذا كسرى وقيصر فيما هما فيه، وأنت صفوة الله من خلقه، وكان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – متكئًا فجلس، وقال: «أَوَ فِي شَكٍّ أَنْتَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟!» ثم قال – صلى الله عليه وسلم -: «أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي حَيَاتِهِمُ الدُّنْيَا» وفي رواية: «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الآخِرَةُ؟!»
رواه البخاري رقم (4913)، ومسلم رقم (1479)..
● ٢- زهد أبي بكر الصديق
• كان ينفق على بيت المسلمين من ماله.
● ٣- زهد عمر بن الخطاب
• كان ينام على الحصير،
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله { أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها } أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقول: لو شئت لكنت أطيبكم طعاماً وألينكم لباساً ولكني أستبقي طيباتي،
خرج النبي الكريم -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ذات يوم من بيته فقابله في الطريق أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب -رضي الله عنهما- فقال لهما رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “ما أخرجكما من بيوتكم هذه الساعة؟” فقالا: “أخرجنا الجوع يا رسول الله” فقال النبي الكريم -صلى الله عليه وآله وسلم-: “وأنا والذي نفسي بيده ما أخرجني إلا الذي أخرجكما “، “قوموا” فقاموا معه فأتوا حائط لرجل من الأنصار فإذا هو غير موجود، فلما رأت زوجته رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قالت مرحبا وأهلاً، فقال لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “أين فلان؟” قالت : ذهب يستعذب لنا من الماء.
فلما جاء الأنصاري فنظر إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وإلى أبي بكر وعمر رضي الله عنهما قال: ” الْحَمْدُ للهِ. مَا أَحَدٌ الْيَوْمَ أكْرَمَ أضْيَافاً مِنِّي”.
قال فانطلق فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب، فقال: كلوا من هذا، وأخذ السكين ليذبح لهم فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “إياك والحلوب”، فذبح لهم وأكلوا من الشاة ومن ذلك الْعِذْقِ وشربوا فلما شبعوا ورووا، قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لأبي بكر وعمر: “والذي نفسي بيده لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة أخرجكم من بيوتكم الجوع ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم” (أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة)
إن الله -عز وجل- يسأل عباده عن هذا النعيم سؤال تعديد النعم عليهم أين كانت، قال سبحانه (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) [التكاثر:8]، لما نزلت هذه الآية قال الزبير يا رسول الله وَأَيُّ نَعِيمٍ نُسْأَلُ عَنْهُ ؟ وَإِنَّمَا هُمَا الأَسْوَدَانِ: التَّمْرُ وَالْمَاءُ، قَالَ: “إِمَّا أَنَّ ذَلِكَ سَيَكُونُ” (أخرجه الترمذي).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال “سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: “إن أول ما يُسأل عنه يوم القيامة –يعني العبد- عن النعيم أن يقال له ألم نُصِحّ لك جسمك ونروّيك من الماء البارد” (رواه الترمذي والحاكم).
وصح عن ابن عباس -رضي الله عنهما- في قوله تعالى: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) قال: “النعيم صحة الأبدان والأسماع والأبصار، يُسأل الله العباد فيما استعملوها وهو أعلم بذلك منهم”.
وفي قوله تعالى: (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) [الإسراء:36]، قال مجاهد فيما صح عنه “عن كل شيء من لذة الدنيا”.
فيا أصحاب الترف، يا أصحاب الترف والإسراف تذكروا كيف كان عيش النبي -صلى الله عليه وسلم- وكيف كان عيش أصحابه، تذكروا وأنتم تنعمون بأنواع المآكل والمشارب مع قلة شكر هذه النعم ما أخرجه البخاري ومسلم عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: “ما شبع آل محمد -صلى الله عليه وسلم- من خبز شعير يومين متتابعين حتى توفي النبي -صلى الله عليه وسلم-“.
وقالت لعروة بن الزبير كما في الصحيحين: “والله يا ابن أختي إن كنا ننظر إلى الهلال ثم الهلال ثلاثة أهلة في شهرين ما أوقد في أبيات رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نار”، فسألها عروة قائلاً: يا خالة فما كان يعيّشكم؟ قالت “الأسودان التمر والماء، إلا أنه قد كان لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- جيران من الأنصار، وكانت لهم منائح وكانوا يرسلون إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من ألبانها فيسقينا”.
وليس هذا فقط، فقد بل قال النعمان بن بشير في الصحيحين: ” لَقَدْ رَأَيْتُ نَبِّيَكُمْ -صلى الله عليه وسلم- وَمَا يَجِدُ مِنَ الدَّقَلِ مَا يَمْلأُ بِهِ بَطْنَهُ”، والدقل رديء التمر، ولو شاء -بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم- لسارت معه جبال الدنيا ذهبًا لكنه دعا ربه بأن يجعل رزقه ورزق آله ما يسد الرمق فقال: “اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا”.
• أيها المسلمون: حين نسمع ونقرأ مثل هذه الأحاديث، فهل هناك مكان للمقارنة بين ما نحن فيه من نعم غِزار وخير مدرار وبين هذه الأخبار، إننا لنستحي من ربنا -جل وعلا- الذي غمرنا بعطائه ونعمه ونستغفره من تقصيرنا في شكره وضعفنا في أداء حقه وإسرافنا في المآكل والمشارب بل ونشكو إلى الله من إسرافنا في الخطايا والذنوب.
⚫ الخاتمة
إنّ الترف آفةٌ قديمة وحديثة، ما نزلت بأمة إلا أفسدتها، ولا حَلَّت في مجتمع إلا أضعفته، ولا سكنت قلبًا إلا أعمته.
ومن تأمّل القرآن والسنّة وجد أن ذمّ الترف مهلك للأمم ،ولذا واجب علينا أن نحذر من الترف، وأن نبتعد عن أعمال المترفين من بطر النعمة ونسيان الآخرة، والإغراق في الشهوات وتضييع الصلوات، والإسراف في المآكل والمشارب فسُنة الله لا تحابي أحدًا، والله يمهل ولا يهمل، وما ربك بغافل عما تعملون، والسعيد من اتعظ بغيره، والتاريخ مليء بالعبر والعظات بمن أبطرتهم النعم وقل شكرهم عليها، وأسرفوا وأترفوا،
إن الدعوة إلى القناعة والزهد ليست دعوة إلى الفقر،أو حرمان من الطيبات، بل دعوة إلى التوازن، والحكمة والاعتدال، وإلى عمارة الأرض على أساس العدل والإنصاف ، وإلى أن يكون القلبُ غنيًّا، وأن يعيش المرء بقدر حاجته دون مبالغة، وألاَّ يكون عبدًا للموضة، ولا أسيرًا للشهوات.
إن الأمم التي سادت هي التي عرفت قدر النعمة، ولم تجعل من الترف غايةً، بل وسيلةً لزيادة الطاعة وبناء الحضارة.
فلننظر إلى نعم الله بأعين الشاكرين لا بأعين الباطرين، ولنجعل من أموالنا جسوراً للتكافل لا حواجز للتباغض.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *